في اشتباه التفسير بالتأويل

إن التفسير خروج بالكلام عما هو عليه من الغموض إلى ما قد يكسبه بعضا من التجلي. والتأويل نقله عن ظاهره الجلي إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل. وبذلك يكون حاصل التأويل احتمالا يحتاج إلى دليل يجعله “أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر.” إن الأصل في المعنى أن “يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى تأويل يحتاج إلى دليل … لأنه [التأويل] عدول عن ظاهر اللفظ.” وعليه، فإن التأويل هو اكتشاف الظنون الممكنة، لأنه لا يمكن معرفة قصد المتكلم معرفةً تعيينية، وإنما ظنية. فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، في حين أن المعنى المعدول عن ظاهره إلى تأويل يقع فيه الخلاف، ذلك لأن باب التأويل غير محصور. وبذلك يباين التأويل التفسير، فالأول يصيب أعماق الخطاب ويكشف عن منطقيته بتتبع مستلزماته. والثاني يزيد في بيان الخطاب وتوضيحه “بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة،” فكان مداره على الشرح، في حدود لا يتجاوز فيها الخطاب نفسه.

ولقد كان لمصطلحي التفسير والتأويل مفهوم واحد، إلا أن اختلافهما بدا مقررا بسبب اختلاف المفسرين حول إشكالية العقل والنقل. فإذا كان منهم من خصص التفسير لبحث الألفاظ وخصص التأويل لبحث المعاني، فإن غيرهم ذهب إلى أن التفسير ما كان الاعتماد فيه على النقل والرواية، وأن التأويل ما كان الرجوع فيه إلى العقل والدراية. “فقد نظر أكثر المفسرين على أن التأويل فهم من النص عن طريق الدراية، مقابل التفسير الذي هو فهم عن طريق الرواية،” فكان المفسر ناقلا، والمؤول مستنبطا، لما كان “التأويل إخبارا عن حقيقة المراد [وكان] التفسير إخبارا عن دليل المراد.”

وفي التمييز بين التفسير والتأويل أيضا، لقد اعتدنا على القول بأن جملةً (ج1) تمثل شرحا أو تفسيرا لجملة أخرى (ج)، على اعتبار أن (ج1) تعيد نفس المحتوى الحرفي الذي في (ج). وبتعبير آخر، في الوقت الذي يمكن أن تأخذ فيه (ج) و(ج1) محتوى دلاليا واحدا، ببنائين مختلفين من حيث وضوح الدلالة عليه، فإن أكثرهما وضوحا تكون تفسيرا للأخرى. وقد يصاغ التأويل بنفس الصياغة، حيث (ج2) تمثل تأويلا لـ(ج)، على اعتبار أن (ج2) تعيد بناء المحتوى الضمني وغير المباشر لـ(ج) بشكل حرفي لا يتطابق مع المحتوى الحرفي الذي في (ج).

وفي تحديد آخر وبالنظر إلى علاقة الجزء بالكل، يمكن أن نقول بأن التفسير تخصيص جزئي داخل إجراء عام هو التأويل، ذلك أن التأويل هو أصل التفاعل الثقافي مع الكون المحيط بصفة عامة، فكل موضوعات الإدراك الثقافي وكل محصَّلاته إنما هي موضوعات أو معطيات تأويلية. أن العالم الثقافي بخلاف العالم الطبيعي، عالم للحرية والاختلاف، ولكن حتى لا تَؤُول الحرية إلى تسيب، وحتى لا يؤولا الاختلاف إلى خلاف، تُسنُّ التشريعات وتوضع القوانين والأنظمة للتنظيم والتوجيه وكبح الجماح، ولو بشكل مؤقت على الأقل. حينها قد يسود نوع من السلوك أو الفعل المقنن، ومعه يصير التأويل تفسيرا إلى حين. قلنا هنا إلى حين وبشكل مؤقت، لأنه من المعلوم أنه وراء كل قانونٍ ما سلطةٌ بإيديولوجيةٍ ما، يقوى بقوتها ويضعف بضعفها. إن التفسير إذن نوع من التأويل الموجه والمقنن، يُعتمد بشكل موضوعي في خطابات العلوم الطبيعية، ويُعتمد بشكل قسري في خطابات العلوم الإنسانية، في مجالات ذات حساسية كالدين والقانون وغيرهما، ولذلك تطرد عبارات من قبيل تفسير القرآن وتفسير القانون، وليس تأويل القرآن أو تأويل القانون.

إن التأويل بكل بساطة تطبيق لمختلف الكفاءات التواصلية، قصد الإمساك بالمعاني الضمنية الكامنة وراء المحتويات الظاهرة للخطاب بشكل عام، إنه مواجهة تعتمد أساسا على ما تراكم من معارف مشتركة سابقة قادرة على تعزيز التواصل التام. إلى هنا يبدو الأمر بسيطا، إلا أنه يصبح بالغ التعقيد حيث تتداخل الكفاءات ويصعب تحديدها وتحديد دورها في التأويل، وحيث تصبح التجربة عاجزة عن تمثل الحالات التدليلية في سياق تواصلي ما. إن مدار التأويل، في تصوره المبسط، على محاولة تشخيص العلاقة بين المعاني الضمنية والحرفية وتعيين الاستراتيجيات والمبادئ التي يتعين اعتمادها لامتلاك المعنى والإمساك به في سياقات تمنُّعه وانفلاته مهما كانت السياقات.

(من كتاب السميولسانيات وفلسفة اللغة، دار كنوز، 2017)

أضف تعليق