في التواصل الإنساني

التواصل من تواصَلَ على صيغة المشاركة، وأصله من وصَلَ يصل، وصلا وصلة، والوصل خلاف الفصل، ووصل الشيء بالشيء يصله وصلا وصِلة، ووصل الشيء إلى الشيء وصولا، وتوصل إليه انتهى إليه وبلغه، والوُصلة الاتصال، والوُصلة ما اتصل بالشيء، ويقال بينهما وصلة أي اتصال، ووصلني كتابه، وتوصل إليه إذا تلطف في الوصول إليه، وتوصَّلا بمعنى توسَّلا وتقربا .. والتواصل ضد التصارم.

هذا مما تجده للتواصل في معاجم اللغة. وأما في التجربة أو المعاجم الخاصة فقد اختلفت على مفهوم التواصل تحديدات متعددة، وذلك تبعا لتعدد جهات النظر مع اختلاف الأهداف. فمنذ أواسط القرن المنصرم صارت ظاهرة التواصل تشكل موضوعا للبحث والمتابعة، ونظرا لطبيعة الظاهرة فقد تقاسمتها حقول معرفية مختلفة، كالفلسفة وعلمي النفس والاجتماع والسميولسانيات وعلوم الإعلام وغيرها، حتى أن علم التواصل الذي اتخذ الظاهرة موضوعه الخاص، باتت حدوده لا تتجلى بوضوح في زحمة التخصصات التي تتاخمه وتزاحمه حول الموضوع نفسه.

وهكذا سيكون من الصعب حصرُ التحديدات التي سيقت لهذه الظاهرة، والتي تراكمت لها خلال أكثر من نصف قرن. فلم يكن ممكنا في سياقنا هذا، إلا الوقوف على بعض ما سيق من ذلك، لعله يسعفنا في تمثل الظاهرة بوضوح، أو يساعدنا على تقريب المفهوم من الهدف الذي نرمي إليه.

لقد ورد في حد التواصل أنه مجموع الميكانيزمات المادية والنفسية المتوسل بها بين أفراد أو جماعات وأفراد أو جماعات، لأجل أهداف وغايات محددة. إنه الآلية التي بموجبها تقام العلاقات الإنسانية وتتطور، ينسحب على الرموز بكل تجلياتها، وعلى الوسائط بكل أنواعها، على ترميز الفكر وتوسيط الوسائل، فيه التعابير الجسدية والمؤثرات الفيزيولوجية، فيه المنطوق والمكتوب والمصور، الهاتف والتلغراف والشبكة العنكبوتية، والطرقات والجسور والسكك الحديدية، وكل ما من شأنه أن يمهد أو ييسر اكتشاف العالم المحيط بشكل من الأشكال. فأنْ تتواصل يعني أنك تبعث رسالةً ما أو خطاباً ما إلى شخصٍ ما في سياقٍ ما، مع اعتبار أن لفعلك هذا أثراً ما، وأن لهذا الأثر إمكانياتٍ للرجع أو الارتداد، وأن كل ذلك لا يسلم من تشويشٍ ما.

ذلك هو التواصل باعتباره السيرورة التي بموجبها تنتقل الأفكار من فرد إلى آخر أو آخرين، أو السيرورة التي بموجبها نتمكن من تحديد المعنى واكتشاف الغاية إزاء سلوكات الآخرين وأفعالهم.

إن التواصل كفاءة أو قدرة يساعد امتلاكها على تشكيل التجارب الفردية التي من خلالها تتشكل التجربة الإنسانية الجماعية. ولأن كل سلوك إنساني يقوم على مبدإ تبادل المعلومات والتجارب بين الأفراد أو بين الجماعات، فإن التواصل بطبيعته يمثل أدق تكريس لهذا المبدإ، لأنه يمثل أهم وأرقى أشكال التفاعل الاجتماعي، وبتعبير أوجز، إن التواصل هو ضامن انسجام الأفراد وتكامل الجماعات.

كان هذا جردا موجزا أو تركيبا لمجموعة تعاريف، ما كان لها منفصلة أن تشكل التعريف الأكفى للتواصل، إلا في السياق الذي أوردها، وبالنظر إلى الأهداف العلمية التي أتاحتها. فحيث كان الهدف تقنيا محضا أُخذت الظاهرة باعتبار وسائطها المادية أو باعتبارها الميكانيزم أو الآلية، وهناك من حاول الإمساك بالظاهرة لا من خلال ماهيتها، وإنما من خلال ما تتجلى فيه من أنساق تعبيرية، أو سلوكات فردية أو جماعية، أو من خلال ما تُؤتى به من كفاءات أو قدرات، أو من خلال ما تُؤتى له من أهداف أو غايات، أو من خلال ما يُؤتى بها من رصيد معرفي أو ثقافي، أو من خلال ما يحكمها أو ينظمها من مواضعات وتعاقدات. هكذا اختُلف حول حد التواصل بين كونه آلية أم وسيطا أم سلوكا أم استراتيجية أم تفاعلا أم سيرورة للتثاقف أو التبادل المعرفي.

وعموما، إن التواصل شرط إنساني أو حاجة اجتماعية، إنه سلوك مقصود لهدف مقصود، موجه بما تمليه المواضعات، محكوم بما تسمح به الكفاءات، مرهون بما تقتضيه الأهداف. سلوك ينسحب أو يصدق على كل علاقات التفاعل الإنساني القائمة على تبادل المعارف قصد التشارك فيها، أو على تداول القضايا والآراء قصد التفاهم حولها.

هكذا نتمثل التواصل، لأنه إذا صادف لسبب من الأسباب أن لم تجد في زحمة التعاريف التي لظاهرة من الظواهر، تعريفا تراه ملائما لِمَا تريد، فإنه ليس الضير في أن تضيف واحدا تراه كذلك، وإنما الضير في أن تدعي إطلاقية ما تدعي. وبهذا نقول بأن ما سيق أعلاه ليس هو التعريف الذي ينبغي لمفهوم التواصل مطلقا، وإنما هو التعريف الذي ينبغي له في سياقنا هذا على الأقل.

(من كتاب السميولسانيات وفلسفة اللغة، دار كنوز، 2017)

أضف تعليق