مقومات التواصل أو التفاعل الإجتماعي

بقوم التواصل عندنا على مبادئ أساسية عامة، هي: الحاجة والإفادة والإرادة والكفاءة والالتزام والمشاركة. فالحاجة تسدها الإفادة، والإفادة تحققها الإرادة، والإرادة تزكيها الكفاءة، والكفاءة يوجهها الالتزام، وكل ذلك مرهون بالتفاعل في سياق المشاركة.

– أما الحاجة، فأنت تعلم أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، حتى إنه لم ولن يكون في استطاعة أحد أن يبرهن عن استغنائه المطلق عن الآخرين. إننا مجبولون على الحاجة ومنها حاجتنا للآخرين، فنحن في حاجة دوما إلى أن نعطي تصوراتٍ ما عن أنفسنا أو نأخذها عن غيرنا، وذلك لتبديد المسافات وخلق الروابط والصلات، وذلك لا يتسنى إلا بتوسط الأشكال والرموز والعلامات، باعتبار ما تشكله هذه من أنساق تواصلية. وإذا ثبت عندك بمقتضى الحاجة الاجتماعية، أنه لا يمكننا إلا أن نتواصل مع بعضنا، فإنه يمكنك أن تقول بأن التواصل شرط اجتماعي.

– وأما الإرادة، فإن الأمر فيها يتعلق بنوع من الاتفاق المسبق، يبرمه المتواصلون مع بعضهم، على قدر ما لهم من قابلية للتفاعل والتفاهم فيما بينهم. إلا أن هذا الاتفاق لا يتم بشكل علني أو مادي، وإنما يتم بطريقة ضمنية وعفوية، لدرجة أننا لا ننتبه إليه في مواقفنا التواصلية، إنه يتم بطريقة آلية قد تكون لا شعورية. إن التعاقد على التواصل يعني حصول ارتياده والقصد إليه. وإذا حصل هذا، فإن تحقيق التواصل حينها يكون مضمونا، لأن التواصل لا يقوم إلا إذا قام عن إرادة وقصد. وبهذا يمكنك أن تقول بأن التواصل سلوك مقصود.

– وفي ما يتعلق بالكفاءة فإنها لا تعني القدرة على الإرسال والاستقبال فحسب، بل تعني القدرة على تمثُّل الإرسال والاستقبال تمثُّلاً واعياً ومقصوداً. وبهذا الاعتبار تكون الكفاءة التواصلية غايةً في التعقيد. ولَمَّا يتعلق الأمر بالتواصل اللغوي، فإنه يمكن تبسيط تعقيدها بتصنيف ثلاث كفاءات فرعية، الأولى لسانية وهي معيارية تأسيسية، وتتمثل في القدرة على استخدام اللغة المتوسل بها استخداما جيدا. والثانية تداولية معرفية، ويتعلق أمرها بما يتزود به المشارك من معارف خارج لسانية. تكون سابقة يكتسبها الفرد عبر تجربته الفردية، أو يستفيدها من مكتسبات التجربة الجماعية. أو تكون موازية تتعلق بواقع الحال وملابسات الآن. والثالثة عملية، لأنه لَمَّا تتضافر للشريكين الكفاءة اللسانية والأخرى التداولية، فإنه يتعين عليهما الربط بين ما تقتضيه الأولى وما تمليه الثانية. وهذا يتسنى بموجب التدليل والاستدلال.

– وأما في ما يتعلق بالإفادة، فمعلوم أننا لا نتواصل لأجل لا شيء، وإنما لأجل غايات وأهداف محددة، أهمها تبادل المعارف قصد المشاركة فيها أو تداول القضايا قصد التفاهم حولها. هنا يتعلق الأمر بالقصد من التواصل، وهذا يختلف عن قصد التواصل الذي أثاره حديثنا عن الإرادة. إن الأصل في التواصل أن يكون قاصدا كما كان مقصودا، فقصده محقق بالإرادة، والمقصود منه متمثل في الإفادة. وإذا كان التواصل كما تعلم يُؤتى بدافع الحاجة، فإنه لا يستقيم أو يوصف ناجحا إلا باعتبار ما يحققه من الإفادة تلبية لِمَا كان من تلك الحاجة.

– أما الالتزام، فإنه في التواصل على قدر ما فيه من التفاعل الاجتماعي. ويتعلق الأمر هنا بمدى مراعاة النظم والأنساق والمبادئ والقيم، وكل المواضعات التي يُعاش على هديها. إن أياً منا لا يستطيع تنفيذ مخططاته السلوكية، إلاّ داخل الاستراتيجية العامة للسلوكات الجماعية، ووفق ما يسمح به نظام العلاقات الاجتماعية. هذا النظام الذي يحكم التجارب الفردية أيا كانت، داخل التجربة الجماعية. ثم إن ما يوحد الأفراد ويجمعهم بالأساس هو التعاقد حول النظم والمعايير، ثم التفاعل وفقها. فلا يكون الفرد سالكاً أيَ سلوك إلاّ وهو يراعي الآخرَ وما يجمعه به من ذلك، وهذا واضح في كل المعاملات والعلاقات والممارسات والطقوس وغيرها. ولَمَّا كان التواصل سلوكا اجتماعيا راسخَ التفاعل، فقد لزمت مراعاة ما يلزم من ذلك فيه.

– وأما المشاركة، فهي مطلوبة بمقتضى الحاجة إلى الآخر. والمفروض أن تكون في الإرادة والإفادة والكفاءة والالتزام. لأنه لا يكون التواصل إلاّ على سبيل التفاعل، وأنه ليس كافيا كي تتواصل معي أن تراعي الشروط أعلاه وإنما أن نراعيها معا. فأنا لا أتواصل معك لأنني أريد، وإنما لأني وإياك نريد، فهذه الإرادة الجماعية. ثم إن الإفادة لا تكتمل لمجرد أنك تستفيد من تواصلي معك، وإنما أن يكون لي في ذلك ما أستفيده أيضا، وهذه الإفادة المشتركة. أضف إلى أنه ليس كافيا أن يلتزم أحدنا بالتعاقد وما تمليه المعايير والنظم، بل أن نلتزم بذلك معا، وهذا الالتزام أو المسؤولية الجماعية. ثم إن الكفاءات التي قد نتوسل بها في التواصل، يجب أن تكون على قدر الحدث، وهذا يحصل إذا قامت على مقومات تكون مشتركة ولو في الحد الأدنى للتفاعل على الأقل.

(من كتاب السميولسانيات وفلسفة اللغة، دار كنوز، 2017)

أضف تعليق