التفاعل الثقافي مطلب حضاري (2)

يمكن أن نجزم هنا بأنه لا وجود لفكر خالص لأهله، كما أنه لا وجود لفكر خالص للغته أو لما عُبر عنه به من أنساق رمزية. إن كل ما هنالك حاصلٌ معرفي مشروط بعوامل التأثير والتأثر الراسخة بين المجتمعات، مادامت المجتمعات كيانات متفاعلة بالضرورة، سواء كان هذا التفاعل تواصلا أو تدافعا أو حتى صراعا. إن كل ما يوجد من فكر إنساني إنما هو حاصل تلاقح ثقافي وتداخل لغوي، والتلاقح هنا والتداخل ليس دائما بالمعنى الإيجابي.

ولا شك طبعا في أن كل مجتمع يسم إنتاجه الفكري بخصوصياته، وبه أمكن التمييز قديما بين الفكر اليوناني والفكر الإسلامي، وبه يمكن أن نميز اليوم بين فكر عربي وفكر غربي. إلا أن هذا لا يفند دعوى إنكار وجود الفكر الخالص. إن باحثا متمرسا يستطيع ببساطة أن يؤسس أو يؤصل للفكر الإسلامي في اليوناني أو غيره، ولليوناني كذلك في غيره. ويستطيع أيضا أن يؤسس للمعاصر من الفكر في الحديث منه، وللحديث في القديم. ويستطيع أن يفعل ذلك أيضا لما كُتب بلغةٍ من اللغات في ما كُتب بغيرها من اللغات.

وبهذا الاعتبار، لا أحد يستطيع أن ينكر على المتحدثين باللغة العربية أخذَهم عن المتحدثين بغيرها ما تسنى لهم من فكر ومعرفة في كل الميادين وعلى جميع الأصعدة. وإذا كان في هذه القضية مجال للمناقشة أو الاحتجاج، فإن الأمر لا يتعلق بمسألة الأخذ عن الآخر، بقدر ما هو متعلقٌ بكيفية الأخذ وشروطه وضوابطه. إن الأخذ عن الآخر ليس مطلبا من الكماليات، إنه مطلب حضاري ومن أساسيات ما ينبغي اعتباره وتحقيقه لكل تطوير أو تقدم. يجب فقط أن يكون هذا الأخذُ موجَّها، حتى لا يكون للعبور من التخلف إلى الاستلاب، لأنه لا فرق بمعيار القيم بين متخلفٍ ومستلَب، وربَّ متخلفٍ أعزُّ من مستلَب.

(عبد السلام إسماعيلي علوي، 2018/ب)