مفاهيم التعريب

لقد جاء في حد التعريب من التعدد ما لا يخصصه لمفهوم بعينه. لذلك اضطر كل باحث من جهته، إلى تحديد ما يريد في سياقه لهذا المصطلح من مفهوم، لقد أُخذ هذا المصطلح بحسب السياقات، على ما يجعله مقابلا أو مرادفا أو تخصيصا أو استثناء، لمصطلحات أخرى تتاخمه وتزاحمه كالتدخيل أو الإدخال والمثاقفة والترجمة والإعراب والتوطين، وغيرها مما يتعلق بالموقف العربي من المنتوج الأجنبي بشكل عام.

لقد اختلفت على مصطلح التعريب في الأدبيات المعاصرة أربعة مفاهيم على الأقل. أولها عامٌّ، ويُقصد به إخضاع المنتوج الأجنبي بلطف أو تعسف، لنوع من التصرف في المبنى والمعنى معاً ، وذلك بتكييفه ليطاوع الثقافة العربية ويندمج فيها، لدرجة أنك لا تحسبه إلا منها. ولعل مثل هذا يحصل بما يُجرى على الوافد أو المنقول الفكري من الحذف والزيادة والتلخيص والشرح وحتى التأويل، وكل هذه عوامل تُفقد المنقول خصوصياته وتمحي معالم الغربة فيه.

ولقد أُطلق التعريب مراداً به ما يراد بالترجمة، وهذا المفهوم يخالف الذي قبله في أمرين. أولهما هو أن الترجمة وإن كانت هي أيضا نوعا من التغيير أو التصرف، فإن هذا لا يكون إلا على مستوى المبني وليس المعنى، أي أن التغيير تغيير للغة وليس تغييرا للفكر، وعلى المترجم الناجح أن يتحرى هذا ما أمكن. والأمر الثاني، هو أن التعريب نقلٌ، ولكنه لا يكون إلا إلى العربية، في حين أن النقل بالترجمة يمكن أن يكون إلى العربية وإلى غيرها، ويمكن أن يكون منها إلى غيرها. وبهذا ينبغي أن يباين التعريب الترجمة.

هذا، وقد ورد التعريب على حدٍ ثالث، يحمله على اعتماد اللغة العربية لغةً للتدريس والبحث، في جميع التخصصات الأدبية والعلمية دون استثناء، ولقد أثار هذا التصور جدالا حادا بين مؤيد ومعارض. والكل يعلم أن الأمر هنا يتعلق بقضية سياسية، أكثر منها قضية لغوية أو ثقافية.

وأما الحد الرابع الذي سيق للتعريب فمفاده أن التعريب هو نقل اللفظ أو الألفاظ الأجنبية كما هي في أصلها إلى اللغة العربية، مع نوع من التغيير أو التعديل في مبانيها، إنْ على مستوى الوحدات الصوتية أو على مستوى الصيغ أو القوالب الهيكلية، ولعل بهذا الشرط الأخير يتميز المعرَّب من الألفاظ عن الدخيل منها. ذلك أن الدخيل هو ما نُقل من الألفاظ الأجنبية إلى اللغة العربية من غير تغيير أو تعديل. وفي سياق العلاقات يمكن أن نقول إن الدخيل أعم من المعرب، وإن المعرب جزء من الدخيل، جزءٌ مشروط بما يُقربه من اللسان العربي، ويُجريه على مجرى الأصيل منه، إنْ على المستوى الصوتي أو على المستوى الصرفي.

(عبد السلام إسماعيلي علوي، 2018/ب)